الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

13

نفحات الولاية

ثم واصل حديثه بالإشارة إلى سائر خصائص هذه الفتنة « يَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ ! أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لِآخِرِهِمْ ، وَآخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ » . أجل فقادة الفتن على هذه الشاكلة يتوارثون فيما بينهم أسباب الفتنة ويسيرون جميعاً في خط واحد وباتّجاه مشترك ، ومن شأن هذا الانسجام والاتفاق والوراثة أن يضاعف أخطار الفتنة ويشعب آثارها السلبية ، آنذاك أشار الإمام عليه السلام إلى الدافع الأصلي لقادة الفتن والظلمة في أنّهم يتسابقون من أجل الظفر بهذه الدنيا الدنية ويتكالبون على حطامها كتهافت الكلاب على المزابل النتنة ، فالواقع هم متحدون في الظاهر وينطلقون معا في مسار واحد ، غير أنّهم يعيشون باطنيا حالة من الصراع والنزاع ويسعى كل فرد منهم لأن يكون رأس الفتنة ويقتفي آثاره الآخرون « يَتَنَافَسُونَ في دُنْيَا دَنِيَّةٍ ، وَيَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ « 1 » » . ثم أشار عليه السلام بعبارة قصيرة وبليغة إلى عاقبتهم المريرة فقال : « وَعَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ ، وَالْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ ، فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ ، وَيَتَلَاعَنُونَ عِندَ اللِّقَاءِ » . لعل هذه العبارة إشارة إلى أصحاب الفتن من بني العباس . رغم أنّهم اقتفوا آثار بني أمية في سلوك هذا النفاق والتكالب على الدنيا وتوجيه الضربات إلى أهل البيت عليهم السلام زعماء الأُمّة الإسلامية وأئمّتها ، إلّاأنّ الظاهر أنّهم كانوا يلعنونهم ويتبرأون من أفعالهم ، وكان شعارهم الذي أرادوا به خداع الناس « الرضا لآل محمد » ، ففتكوا بفلول بني أمية وسفكوا دماءَهم حتى سالت أنهار من الدماء وقضوا على تراثهم ونهبوا أموالهم ، وذهب البعض من شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد من العبارة « وَيَتَلَاعَنُونَ عِندَ اللِّقَاءِ » ، لقاء اللَّه ويوم القيامة ، كما ورد في القرآن الكريم : « إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ » « 2 » كما ورد في القرآن الكريم بشأن براءة المشركين من أئمّتهم : « وَيَوْمَ

--> ( 1 ) . « مريح » بمعنى النتن والعفن من مادة ( ريح ) بمعنى النتن ( 2 ) . سورة البقرة ، الآية 166